زكريا القزويني

459

آثار البلاد واخبار العباد

وينسب إليها أبو زيد المروزي ، أستاذ أبي بكر القفّال المروزي ، حجّ سنة فعادله أبو بكر البزّاز النيسابوري من نيسابور إلى مكّة . قال : ما علمت أن الملك كتب عليك خطيئة . قال أبو زيد : فلمّا فرغت من الحجّ وعزمت الرجوع إلى خراسان قلت في نفسي : متى تنقطع هذه المسافة وقد طعنت في السنّ ، لا أحتمل مشقّتها ! فرأيت النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، قاعدا في صحن المسجد الحرام ، وعن يمينه شابّ ، قلت : يا رسول اللّه عزمت على الرجوع إلى خراسان والمسافة بعيدة . فالتفت النبيّ ، عليه السلام ، إلى الشاب الذي بجنبه وقال : يا روح اللّه تصحبه إلى وطنه ؛ قال أبو زيد : فأريت انّه جبريل فانصرفت إلى مرو ، ولم أحسّ بشيء من مشقّة السفر . وينسب إليها أبو بكر عبد اللّه بن أحمد بن عبد اللّه القفّال المروزي . كان وحيد زمانه فقها وعلما . رحل إليه الناس وصنّف كتبا كثيرة ، وانتشر علمه في الآفاق . حكي أن القفّال الشاشي صنع قفلا وفراشة ومفتاحا وزنها دانق ، فأعجب الناس ذلك وسار ذكره في البلاد ، فسمع به القفّال المروزي فصنع قفلا وزنه طسوج ، فاستحسنه الناس ولكن ما شاع ذكره ، فقال ذات يوم : كلّ شيء يحتاج إلى الحظّ ! قفل الشاشي طنّت به البلاد ، وقفلي بقدر ربعه ما يذكره أحد ! فقال له صديق له : إنّما الشاشي شاع بعلمه لا بقفله . فعند ذلك رغب في العلم ، وهو ابن أربعين سنة ، فجدّ في طلب العلم حتى وصل إلى ما وصل وعاش تسعين سنة : أربعين سنة قفّالا وخمسين سنة عالما ومتعلّما . ومات سنة سبع عشرة وأربعمائة . وينسب إليها أبو الحرث سريج المروزي . كان شيخا صالحا صدوقا . جاء له ولد فذهب إلى بقّال بثلاثة دراهم : يريد بدرهم عسلا ، وبدرهم سمنا ، وبدرهم سويقا . فقال البقّال : ما عندي من ذلك شيء ، لكن احصله لك في الغد . فقال للبقّال : فتّش لعلّك تجد قليلا ! قال : فمشيت فوجدت البراني والجرار مملوءة ، فأعطيته منها شيئا كثيرا . فقال : أوليس قلت ما عندي شيء منها ؟ قلت له : خذ واسكت . فقال : لا آخذ حتى تصدقني . فأخبره بالحال فقال :